محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
530
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فلا يختصّ به شخص دون شخص ولادة ، بل كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ؛ فيكون حكم الملك والملك العبودية لا الولادة . التفسير قال المفسّرون : الآية نازلة في يهود المدينة ونصارى نجران ومشركي مكّة . قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ، وقال المشركون : الملائكة بنات اللّه ؛ فكذبهم اللّه تعالى في افترائهم على اللّه ، وأدرج البرهان على بطلان قولهم في ضمن التكذيب ؛ فقال سبحانه تنزيها له عمّا يقولون : بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، دليلا على بطلان قولهم ؛ فكلّهم عبيده يتصرّف فيهم تصرّف الملّاك والملوك في عبيدهم ، تصريفا بتقديره وتعريفا بتكليفه ؛ و « بل » كلمة لنفي الأوّل وإثبات الثاني . كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال مجاهد وعطاء والسدّي وقتادة : مطيعون ؛ وقال عكرمة ومقاتل : مقرّون بالعبودية ؛ وقال ابن كيسان : قائمون للّه بالشهادة ؛ و « القنوت » هو التضرّع والدعاء والخشوع . ثمّ اختلف المفسّرون وأهل المعاني « 1 » أنّ معنى « كلّ » راجع إلى كلّ ما سوى اللّه تعالى عموما ؛ فيكون معنى الكلّ واقعا على كلّ ما سوى اللّه تعالى من جماد وحيوان ومحسوس وغير محسوس ؛ ويكون معنى قنوت جميع الموجودات راجعا إلى وجهين : أحدهما : أنّ المقرّين المؤمنين قانتون له طوعا بأشخاصهم وأرواحهم وظاهرهم وباطنهم ، وأنّ المنكرين المشركين قانتون له كرها بظلالهم وظاهر أحوالهم . والثاني : أنّ الموجودات كلّها قانتون له مقرّون بإلهيّته وربوبيّته : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وإنّما التنازع وقع بعد هذا الاتّفاق في التوحيد والنبوّة . وقال بعض المفسّرين : إنّ معنى « كلّ » راجع إلى الملائكة وعزير والمسيح خصوصا ؛ فإنّهم مقرّون ( 231 ب ) بعبوديته تعالى ، قانتون لإلهيّته ، لا يدّعون لأنفسهم ما ينسبونه إليهم : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .